لاجسوا:حين يتقدم الضمير على الحسابات

في زمن اختلطت فيه المواقف وتباينت الأصوات بين داعٍ للصبر وآخر للإنكار تبرز بعض الكيانات لا لتضيف ضجيجا” جديدا” بل لتعيد تعريف المعنى الحقيقي للمسؤولية الوطنية. ومن بين هذه النماذج تقف منظمة “لاجسوا” شاهدا” على أن العمل النقابي يمكن أن يتحرر من ضيق الانتماءات ويتسع لرحابة الوطن كله.
لقد تجاوزت “لاجسوا” القوالب التقليدية للأجسام النقابية والاتحادية ذات الاصطفافات السياسية. لتؤسس نموذجا” جامعا” للأستاذ الجامعي. بمختلف درجاته العلمية. وتنوع انتماءاته الفكرية. وتباين خلفياته الاجتماعية والجغرافية. لم تكن منصة إقصاء بل كانت وعاءا” واسعا” يحتضن الجميع على قاعدة المهنية والواجب الوطني.
وحين اشتد الخطب ونادى الوطن أبناءه لم تتردد هذه الكوكبة من الأكاديميين في تلبية النداء. لم يقفوا عند حدود قاعات المحاضرات ومراكز البحث بل تجاوزوا أدوارهم التقليدية كمربين للأجيال وصناع للمعرفة. ليكونوا في قلب الميدان الوطني. حمل بعضهم السلاح دفاعا” عن الأرض والعرض. وأسهم آخرون في دعم الإنتاج عبر مشاريع الثروة الحيوانية والسمكية وزراعة القمح في محاولة جادة لسد الفجوات وتحقيق قدر من الاكتفاء.
ولم تغب عنهم مسؤولياتهم التعليمية فكان لهم إسهام مقدر في إسناد الشهادة السودانية في وقت كانت فيه العملية التعليمية مهددة بالتوقف والانهيار. كما امتدت أياديهم بيضاء إلى زملائهم المتضررين فقدموا الغذاء والعلاج ونسجوا شبكة تضامن إنساني تعكس عمق القيم التي يحملونها.
وعلى مستوى الفكر والرؤية لم تنكفئ “لاجسوا” على العمل الميداني فقط بل أسهمت في تقديم تصورات ورؤى علمية لتطوير الأداء في العديد من القطاعات واضعة خبراتها الأكاديمية في خدمة الدولة والمجتمع سعيا” لإخراج البلاد من عتمة الأزمات والكوارث والحروب والصراعات القبلية إلى آفاق الاستقرار والنهوض.
ورغم كل هذه الإسهامات يخرج من يضيق أفقه عن رؤية الصورة الكاملة فيعيب على هذه الكوكبة خيار الإضراب في هذه المرحلة. غير أن الإضراب في جوهره ليس ترفًا ولا تنصلاً من المسؤولية بل هو حق مشروع تكفله القوانين والأعراف وأداة من أدوات التعبير السلمي عن المطالب العادلة.
إن المفارقة المؤلمة تكمن في ازدواجية المعايير حيث يُستكثر هذا الحق على فئة قدّمت ما يفوق الواجب بينما ويُعطى لجهات أخرى. وكأنما صار ما هو حلال على “بلابل الدوح” حرامًا على للطير من كل جنس . مشهد يفتقر إلى الإنصاف والاتساق.
إن الدفاع عن حق الإضراب هنا لا يعني إغفال الظرف الوطني بل يؤكد أن بناء الأوطان لا يقوم على التضحية غير المحدودة من طرف واحد ولا على إسكات الأصوات المطالبة بحقوقها وإنما على تحقيق توازن عادل بين الواجب والحق وبين العطاء والتقدير.
لقد قدمت “لاجسوا” نموذجا” يستحق القراءة بعين الإنصاف لا بعين الخصومة نموذجا” يقول إن الأستاذ الجامعي ليس كائنا” معزولا” عن قضايا مجتمعه بل هو في صميمها فاعل فيها ومؤثر في مسارها وإن كان قد حمل السلاح يوما” أو زرع الأرض أو داوى الجراح فليس كثير”ا عليه أن يرفع صوته مطالبًا بحقه.
وفي نهاية المطاف تبقى القضية أكبر من مجرد إضراب إنها قضية كرامة مهنية وعدالة مستحقة ووطن لا يُبنى إلا بسواعد جميع أبنائه حين تُصان حقوقهم كما تُستدعى واجباتهم.



